الشيخ محمد آصف المحسني

188

صراط الحق في المعارف الإسلامية والأصول الإعتقادية

بل الصحيح أنّ الآية المباركة لا تشمل جميع المبايعين تحت الشجرة المذكورة فإنّ المرضيّين هم المؤمنون ، وأمّا المنافقون فلم يرض الله ببيعتهم ، وسيأتي أنّ القرآن صريح في وجود المنافقين بين الأصحاب . وهذا ظاهر وعليه فكلّ صحابي يراد مدحه بهذه الآية أو تعديله فلا بد من إثبات إيمانه أوّلًا وعدم كونه من المنافقين ، وإلّا لكان من قبيل التمسّك بالعموم في الشبهة المصداقية الباطل عند المحقّقين من الأصوليين . بل من قبيل إثبات الموضوع بالحكم وهو باطل قولًا واحداً . وثانياً : أنّه ليس المفهوم من الآية أنّ الله تعالى لم يكن راضياً عنهم قبل هذا ، فرضي عنهم ببيعتهم هذه فصاروا مرضيّين لأجلها . وبعبارة جامعة : ليست البيعة المذكورة جهة تعليلية ، بل هي جهة تقييديّة ، ومعنى الآية أنّ الله تعالى رضي ببيعتهم هذه وأنّها وقعت محبوبة له تعالى ، ومن الواضح أنّ قبول عمل من أحد عند الله تعالى لا يدلّ - عقلًا ونقلًا - على عدالته من أوّل وقت إيمانه إلى آخر عمره ، بل ولا على بقاء إيمانه إلى حين موته ؛ فلا مانع من أن يعمل عامل عملًا صالحاً لوجه الله فيقبله الله تعالى منه ثمّ نكس وارتدّ فأصبح من المغضوب عليهم الله تعالى فأحبط عمله المقبول أو يعجّل في ثوابه وجزائه في الدنيا . والذي يدلّك على هذا في خصوص المقام قوله تعالى قبل الآية المستدلّ بها : ( إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ ) « 1 » فقد أخبر الله تعالى عن عظمة هذه البيعة وكبر شأنها وأنّها بمنزلة بيعة الله تعالى نفسه مضافاً إلى الذين استشهدوا في الغزوات ؛ ولم يبقوا إلى زمان الفتن بعد وفاته ( ص ) . ثمّ قال بلا فصل : ( فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفى بِما عاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً ) « 2 » . ثمّ إنّ الله تعالى لم يعدهم بالثواب الأخروي في خصوص بيعتهم هذه بل وعدهم بقوله : وَأَثابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً * وَمَغانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَها . . . * وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَها انتهى . وقد وفى الله تعالى بوعده وأثابهم ذلك ، وأمّا من استقام على الطريقة الحقّة فيؤتيه الله أجره في الآخرة أيضاً تفضّلًا منه . وأمّا من اختار الغواية بسوء اختياره فما له في الآخرة من نصيب بل هو من الخاسرين ، فإنّه نكث على نفسه .

--> ( 1 ) - الفتح 48 / 10 . ( 2 ) - الفتح 48 / 10 .